كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

في شتاء العام 2013، حينما كانت البلد تشتعل والمستقبل القريب قاتم الصورة، قصدتني سيّدة، بمناسبة أربعين والدها، وسألتني عن آخر المنشورات. أجبتها: أهذا وقت طباعة الكتب؟ أجابتني إنّه الوقت الأنسب يا سيّدنا، فمن يعزّينا ويشدّدنا أكثر من الكلمة التي تقرّبنا إلى الله. اعتبرتُ كلامها جواباً من الله، لأنّني كنت قد متردّداً في قرار التوقّف عن إصدار مجلّة الأبرشيّة "العربيّة"، فعدتُ وأصدرت عددين بعدها، قبل أن أُضطر مُكرهاً إلى إيقافها كليّاً.
يعني كلام هذه السيّدة أنّ الغذاء الروحيّ لا يزال الأساس والجوهري عند الكثير من المؤمنين. الذين يعتقدون أنّ هذا الزمن زمن المساعدات الماديّة فقط يخطئون كثيراً. الإنسان الخائف والجائع يحتاج إلى سند روحيّ يقوّيه إزاء المخاوف، ولا يحتاج فقط إلى وجبة طعام تصله بيد باردة لا حرارة إنسانيّة ولا روحيّة فيها. 
هذا أوان الحياة الروحيّة الأصيلة بامتياز. إنْ لم نجد السند في الربّ، في هذه الأيام الرديئة، فمتى سنجده؟ في الهيصة والمجون والبطر؟ رسالة الكنيسة تستدعيها اليوم إلى استنهاض كلّ القوى الروحيّة الموجودة في أعضائها حتّى يُنهِضوا بعضهم بعضاً إلى وجه المسيح القائم، من بين الأموات، والدائس الموت، أيّا كان شكله ونوعه.
يتداعى الكثيرون إلى التنافس في النقاش والسجال حول أولويّة العمل الكنسي، وكلٌ يضع أولويّته في الصدارة. لا شكّ في أنّ العمل الإغاثي يحتلّ الموقع الرئيس في طلبات الناس، وهذا حقّ لهم وعلى كلّ مقتدر. لكن إنْ كان هذا الأمر هو الهمّ الوحيد عند المؤمنين والقادة الروحيّين فعلى الكنيسة السلام. 
إنْ لم يتحلّى الرعاة و العاملون في الكنيسة ومؤسّساتها بحياة روحيّة رفيعة، فلن يقدروا على متابعة مسيرة خدمة الناس وإغاثتهم. من لا يقطر حبّاً ليسوع المسيح لن يقدّم سوى فتات ماديّ بارد لا روح فيه ولا حياة. الحاجة ماسّة، ولا شكّ، إلى لوازم المعيشة الضروريّة عند الكثيرين. ثمّة من يحتاج إلى غذاء وسكن واستشفاء وما إليها، ولكن الجميع يحتاج إلى الخلاص.
من لا يفتش عن السلام والطمأنينة الداخليّة والفرح الحقيقي ووضوح الرؤيا والشجاعة إزاء المخاوف الكثيرة؟ إن عدمنا رجال ونساء الله الحقيقيين فمن سيشهد أمامنا لقوّة القيامة وفعلها في أرض الواقع؟ ومن سيحثّنا على اقتفاء خطى الذي صار إنساناً ومات وقام لأجل خلاص العالم وخلاصنا.
يؤلمني ألّا يتكلّم بعض الرعاة إلا في المال والمشاريع العتيدة والممكنة، وهم غير آبهين إلى تنمية حياة الصلاة والقداسة في نفوس رعاياهم. كم هو مؤلم أن يصير الكاهن رجل أعمال وينسى أنّه رسول خلاص بالدرجة الأولى. كم تكون الخسارة فادحة عندما ينحرف الخطّ عن هدفه ويتوجّه الجميع إلى تغذية الجسدانيّات الصالحة وغير الصالحة ويهملون كلّ ما يغذّي النفوس ويُبقيها في ثبات وارتقاء. 
كم يفيدنا، ونحن ندخل هذا الصوم الكبير، أن نستذكر ونذكّر أنفسنا بأولويّة الحياة مع الله وأهميّة كلمة الربّ "اطلبوا أوّلاً ملكوت الله والباقي كلّه يُزاد لكم". 
لا أسوق هذا الكلام لأنفي الحاجة إلى العمل الخَدَمي، الإغاثي والإنساني بخاصّة. هذا العمل من صلب رسالة المؤمنين وهو التعبير الأنقى والأصدق عن محبّتهم لله وسعيهم إلى الحياة الأبديّة. غاية الحياة عند المسيحي أن يربح الحياة الأبديّة ويعيش، إلى الأبد، في ملكوت الله، هذا الذي عندما يسعى إليه، بصدق، يبدأ بعيشه من ههنا، جاعلاً حياته الأرضيّة، بكلّ تفاصيلها، صورة عن الملكوت المُشتَهَى والآتي. حياة المحبّة والتضامن والحنان والرفق والرعاية وما إليها هي صورة الملكوت الأكمل.
المقصود بالكلام أعلاه، هو التنبيه إلى التجربة التي يقع فيها المؤمنون، والكنيسة تالياً، التجربة التي تكمن في أن تستولي الاهتمامات الأرضيّة، الصالحة طبعاً، وما تستتبعه على الهدف والغاية، وتالياً يُهمَل البعد الروحيّ الذي يقوّمها ويشحنها بالدفع اللاهوتي الأصيل الذي تستند إليه وعليه تقوم ومن دونه تنحرف، ليصير الإيمان ديانة أرضيّة بحت، أو ديانة اجتماعيّة تخلو من البعد الشخصي الذي يغيّر النفوس ويرقّيها ويسمو بها، لتسير على درب التجلّي، فتتقبّل نور الربّ وتعكسه في كلّ عمل وسلوك وتصرّف تقوم به. 
لا يكفي وجود هيئة خَدَميّة ما لتكون مسيحيّة، يلزمها نظام داخلي مبني على اللاهوت السليم للخدمة، كما يلزمها التزام أعضائها بعيش حياة الفضيلة. لكي نعكس روح الإنجيل وتعليمه، نحتاج إلى أن نستلهم لاهوتنا في كلّ تفصيل من تفاصيل خدمتنا. وهذا لا يستقيم إلّا إذا كان الله نصب أعيننا ومخافة خسرانه ساريةً في أعضائنا كافّة. 
الرسالة الأساس والجوهر هي خدمة خلاص النفوس وارتقائها الروحيّ والفضائلي وتنمية حياة التوبة والتجدّد وإذكاء التوق إلى حبّ الربّ ورؤية مجده في الخليقة والعمل على انعكاس هذا المجد في كلّ ما يقوم به المؤمنون والكنيسة تالياً. 
هذا يتطلّب وعظاً هادفاً ورعاية قويمة حانية وخلوات روحيّة متواصلة وصلوات مغذيّة للنفس تقام بأداء صلاتي لا وظيفيّ، ورعاة يشغلهم خلاص نفوسهم ونفوس رعاياهم، ورعايا تطلب خلاصها وأبديّتها قبل أن تطلب وقتيّات هذا الدهر. 
ادفعوا كهنتكم لكي يغذّونكم بالأسرار الإلهيّة وكلمة الله والإرشاد الروحيّ. لا تُبقوهم أسرى العمل على تأمين اللوازم المعيشيّة والاجتماعيّة، هذا عملكم أنتم العلمانيون وهذا دوركم، برعاية آبائكم الروحيين وإرشادهم. 
الكنيسة ميناء الخلاص وواحة المسافرين. إن لم تتوفّر الواحة المنشودة في الكنيسة، سيطلبها الناس في أيّ مكان آخر، ممّأ سيتسبّب في ضياعهم أكثر فأكثر.
"تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم".