كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

شهادة لِما تكلّمنا عنه في المقال الفائت، نورد شهادات مؤثّرة لثلاثة شهداء ومعترفين معاصرين ذاقوا الأمرَّيْن في سجون الشيوعيّة في القرن الماضي.
الشهادة الأولى للمعترف الروماني الجديد "جيراسيم إيسكو" (1912-1951). هذا وصفه القسّ البروتستانتي "رامبرانت"، زميله في الزنزانة عينها، بعد إطلاق سراحه، بالقول:
"على يميني كان الكاهن "جيراسيم إيسكو"، ذو الأربعين سنة. عُذِّب بعنف شديد حتّى الموت، لكن وجهه كان هادئاً، يعبّر عن رجائه بالحياة الأبديّة ومحبّته للمسيح وإيمانه... وعن يساري كان المعذِّب الشيوعي الذي قام بتعذيب الأب "جيراسيم" حتّى الموت. هذا المعذِّب بدوره زُجَّ في السجن عينه من زملائه أنفسهم وعذِّب هو أيضاً حتّى الموت..!
في منتصف الليل، قام هذا الرجل ولمسني في كتفي بلطف فأيقظني وقال لي: "صلِّ لأجلي يا أبتِ، لا أستطيع أن أموت. لقد اقترفت الكثير من الجرائم الفظيعة.! لا سلام في نفسي، أنا أؤمن بالله..." وراح يبكي بمرارة. تهيأت لأقول له بضع كلمات، لكنّني في تلك اللحظة عاينت معجزة...!!
رأيت الكاهن المحتضِر "جيراسيم إيسكو" يطلب من زميلين له أن يساعداه. وضع يديه على كتف كلّ واحد منهما ومشى نحو سرير معذِّبه وجلس بقربه، ثم وضع يده على جبهته وداعبه برفق ماسحاً عرقه. لن أنسى، ما حييت، تلك الحركة. لمّا كنت قد شاهدت كم عذَّبه هذا الشخص، "مرّ فكرٌ في نفسي: هذه هي المحبّة."! لقد وجد الأب "جيراسيم" رحمةً لهذا الإنسان التعيس. قال الأب "جيراسيم" له: "أنت ما زلت شابّاً، لم تعرف ماذا فعلت، وأنا أحبّك من كلّ قلبي. وإن كنتُ أنا الخاطئ أحبّك بهذا المقدار، فالمسيح الذي هو الحبّ من الحبّ، بأيّ مقدار يحبّك إذاً؟! تتساءل إن كانت خطاياك قد غُفِرَتْ! المسيح يشاء أن تُغْفَر خطاياك، أكثر ممّا تشاء أنت أن تُغفر لك. المسيح يريدك أن تكون معه في الفردوس. كلّ ما عليك أن تفعله هو أن ترجع إليه وتتوب"!
الحياة في المسيح وللمسيح تسمو على كلّ تصوّر. ما من كاتب بإمكانه أن يصف مشهداً مؤثّرا كهذا! الداني إلى الموت يتقبّل اعتراف قاتِلِه! الذي قُتِل يقتل قاتله بمحبّته...! تعانقا وصلّيا معاً، واقتبل اعترافه وناوله الأسرار المقدّسة! ثم عاد الكاهن بشقّ النفس إلى سريره.
رقدا، كلاهما، في الليلة ذاتها. كانت ليلة عيد الميلاد. لكنّها لم تكن كسائر ليالي الميلاد التي تقام فيها ذكرى ميلاد المسيح في "بيت لحم". كانت ليلة وُلد فيها المسيح في قلب معذِّب شيوعيّ. بطريقة عجيبة وُجد القدّيس واللصّ، المعذَّب والمعذِّب في الزنزانة عينها. تعانقا ورقدا في الوقت ذاته، مكابدَين الآلام عينها وحاملَين الصليب عينه. قبل رقاده، حمل الكاهن على عاتقه الثقل الذي كان يعاني منه معذِّبه، متمّماً الحركة الليتورجيّة لتطهير العالم؛ حركة خلّفت في محيط سجن "تاركو أوكنا" لأيام، طيبَ سلامٍ فائق الوصف، لمسه حتّى الحرّاس الأكثر فظاظة. انطبعت تلك الحركة في جدران السجن زمناً طويلاً.
قبل لحظات من رقاده قال الأب "جيراسيم" لمن حوله: أنا راحل هذه الليلة. رجاءً اغسلوني قليلاً، وإذا وجدتم وسيلة قصّوا لي أظافري، لا أريد أن أرحل وجسدي غير مرتّب. ثم حدّق بثبات وقال: "هل تسمعون؟ ها الملائكة تنشد"! لبث على هذه الحال، ويداه على صدره بشكل صليب وعيناه مفتوحتان إلى أن رحل كنسيم عليل مخلِّفاً أريج المحبّة الزكي. 

الشهادة الثانية للقدّيس الشاب المرهَف "غاليريو غافينكو" (+ 1952) وهو رومانيّ أيضاً.
كانت كلماته الأخيرة: لا تنسوا الصلاة إلى الله كي نلتقي هناك. إنّ الله منحني القيود التي تحرّر الروح وأخذ منّي الحرية التي تأسر روحي!
كانت قدرته على التضحية فائقة: مرّةً، رغم مرضه الشديد، وهو على شفير الموت، فضّل أن يقدِّم الدواء المضاد للسلّ (الذي كان الحصول عليه صعباً ونادراً) لمريض آخر يهوديّ كان على شفير الموت. هذا اقتبل الإيمان المسيحي في ما بعد وصار قسّاً بروتستانتيّاً وكتب الكثير عن الذي أنقذ حياته. 
قال للمحقّق مرّة: المسألة بيني وبينك مسألة ضمير. فإنّي اخترت أن أموت كي أحظى بالحريّة الروحيّة... أنت لا تستطيع أن تقبل المسيح وأنا لا يمكنني أن أقبل الموت الروحي". 

أمّا الشهادة الثالثة فللأب الروسي "رومان" (1874-1937).
كان عمره 57 سنة عندما صدر بحقه حكم بالأشغال الشاقّة لعشر سنوات.
حملت رسائله إلى ابنته "إيروشكا" كشفاً مؤثّراً لنفس الكاهن القدّيس، المحمَّلة بثمار الإيمان الروحيّة التي نضجت في أتون الآلام والجهاد اليومي لتنقية الذات. كانت هذه الرسائل عميقة، تربويّة، ودفقاً للروح القدس لمن يؤثِر سماع كلمة النفس التقيّة الحيّة. كانت ذات نكهة خاصّة؛ نكهة الأبديّة. كلمات منعشة ومشجِّعة، ومقوّية لمجابهة صعاب الحياة.
الحياة في المعتقل للبشر الأصحّاء، غالباً ما تكون غير محتملة، فما هي الحالة بالنسبة لشخص عجوز ومريض؟ مع ذلك كتب الأب قائلاً: "أكرّر وأكرّر، أنا هنا فَرِحٌ بكلّ شيء، أرى الجميع يعاملونني معاملة حسنة"...مع أنّه كان يتعرّض للسرقة والتجمّد من البرد أحياناً. كان يتحمّل أشغالاً تفوق طاقته ومع ذلك قال: "أنا حيّ، أشعر بالحياة، وهذا كافٍ بالنسبة لي. إذا ما توجّه محور حياة الإنسان بشكل دائم نحو مركزٍ أزليّ واحد أحد، فلا ظروف تجعله يشعر بالسوء. الدائم الوجود والثابت الوجود لا يتركنا أبداً في أيّ ظرف. إذا ما وضعنا ذلك أبداً أمام أعيننا تكون سعادتنا، إذّاك، مضمونة على الأرض، حتّى في حال المرض الخطير والموت ذاته؛ لقد ترك لنا راعينا السلام والفرح، ولا أحد يستطيع نزعه منّا. من المفرح أن نشعر بأن لا وجود للأعداء بين البشر، ولن يوجدوا! إنّهم ليسوا سوى إخوة مساكين يستدعون الشفقة والعون حتّى لو تحوّلوا بداعي سوء الفهم إلى أعداء محارِبين لنا. للأسف! لا أحد يريد أن يفهم أنّ عدوّنا الأوّل والألد هو أنفسنا، وعلينا أوّلاً أن نطرده من داخلنا، وهكذا نستطيع أن نساعد الآخرين أيضاً. 
"كلّ شيء مظلم حولي، لكن قلبي في النور. حولي ضجيج دائم، لكن قلبي يرقص فرحاً في الصمت، لأنّه أينما كنت، ووسط أيّة ظروف وُجِدت، المسيح الحلو الوحيد دائماً معي".
"حياتنا على الأرض هي مدرسة، ولن أقول إنّها مدرسة سهلة. لكن عناية الله تُؤْثِر أن نختبر كلّنا ذلك وأن نعاني هنا، مثل ألعازر الفقير، حتّى نفرح هناك، لأجل أن تُغفر لنا خطايانا، ونستقرّ في أحضان إبراهيم. على هذا فليكن اسم الربّ مبارَكاً، لأنّ آلام الزمن الحاضر لا تُقارَن بعذاب الجحيم الرهيب". 
أطلق سراحه في 26 حزيران 1936. كان المعتقل قد أثّر على صحّته كثيراً وأصابه بمرض السلّ. كتب قبل خروجه بسنة رسالة مفعمة بالإيمان والرجاء والمحبّة: "الحياة الأبديّة لا تزول، لو كنّا فقط لنتعلّم كيف نجوز إليها أكثر فأكثر. ما هي الحكمة؟ هي أن نتعلّم أن نبتعد من "أنانا" لنستجيب للأنا العظيمة الموحِّدة. أتمنّى ذلك خاصّة في هذه الأيام. لا يهمّ، فالأبديّة فينا في هذه الحياة وفي الآتية. الألم الوقتيّ لا مناص منه لمن هم في طريق الأبديّة، لكن مع الألم هناك الفرح الكبير والتعزية العظيمة! أقبّل الجميع ثلاثاً"...

يمكن الاطلاع على سير هؤلاء الشهداء والمعترفين وغيرهم بواسطة موقع 
+عائلة الثالوث القدوس – دوما، 
www.holytrinityfamily.org