كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

أيّ حبّ دفعك لتأتي إلينا يا ربّ!
أترانا نستحقّ كلّ هذا الحبّ؟! 
عندما نقارن محبّتنا بمحبّتك ندرك واحداً من أمرين: 
إمّا أنّ محبّتك شيء مختلف بالكليّة عن فهمنا البشري، أو أنّها أمر غير قابل للتصديق، كما يقول الذين لم يعرفوا المحبّة يوماً. 
هل يقدر الإنسان أن يعي عظم حبّك له إذا لم يذق يوماً أنّه محبوب؛ محبوب لشخصه، على ما هو عليه، بما فيه من نقائص وعيوب؟
ألم تولد في بيت لحم لتؤكّد لنا أنّك لست إلهاً بعيداً ومجهولاً؟!
تبدو في المذود طفلاً ضعيفاً، لكنّك، لكونك خالق السماء والأرض، جذبت ما في السماء وما على الأرض إلى بيت لحم. 
هل أتيت بالرعاة عشراء الطبيعة النقيّة لأنّهم بحدسهم العفوي وبساطة نفوسهم سيتحسّسون ألوهيّتك قبل غيرهم؟
وهل جذبت المجوس العلماء لتقول إنّك أتيت للعلماء أيضاً، لأنّهم إذا قرنوا علمهم بالتواضع سيصلون إليك؟ 
ألم تختر الرعاة من اليهود والمجوس من الأمم لتعلن، منذ بدء تجسّدك، أنّك للجميع، أتيت لجميع البشر، لا لفئة منهم؟!
أيّ سرّ في تجسّدك يا يسوعي! من يستطيع أن يستوعبه؟ إنّه سرّ؛ سرّ تجسد الله! سرّ "عمّانوئيل: الله الذي صار معنا". كيف يصير الله إنساناً؟!! والخالق مخلوقاً؟!! والأزلي مولوداً؟!! والأبدي مائتاً؟!!
بالمحبّة الإلهيّة فقط! 
هل أتحفتنا في ما بعد بسرّ قيامتك وأعطيتنا طاقة الحياة بملئها، لتثبت ألوهيّتك التي استترت ببشريّتك من أجل خلاصنا؛ لكي تؤلّه بشريّتنا؟! 
إذا بقينا في سرّ تجسّدك ولم نصل منه إلى قيامتك أنستطيع الانفتاح على سرّ الخلاص الذي أهديتنا إيّاه ودفعت حياتك ثمناً له؟!
لهذا ما رسمتك الأيقونة الأرثوذكسيّة طفلاً حتّى وأنت في المغارة؟ فمن يدقّق في تعابير وجهك وأنت ملفوف بالأقمطة لا يراه وجه طفل بل وجه بالغٍ.
وبعض الأيقونات صوّرتك ووالدتك بنظرة حزينة لتقول إنّك منذ البدء ترنو إلى الصليب. قال أحد اللاهوتيين مرّة، بحقّ: "المسيح لم يولد في مغارة بل على الصليب" (المطران جورج خضر).
التركيز في هذا العيد على "الطفل يسوع" كثيراً ما قد يخفي سرّ تجسّدك ويجعلك على قياس الأطفال العاديين، وإن احتفل الناس بميلادك بمظاهر بهجةٍ فائقة. 
كنيستنا لا تدعو هذا العيد بعيد الميلاد، بل عيد تجسّد ربّنا يسوع المسيح. حتّى اسم العيد يجب أن يحمل معناه الحقيقي، لئلا يغيب السرّ. 
السرّ دليلنا الأعظم إلى الإله الحقّ، إن سجدنا أمامه بورع واندهاش، نكتشف حقّاً أنّ "الله معنا".
*****
أعطنا ربّي أن نمتدّ نحوك في هذا العيد، لا أن نمدّك نحونا.
اجعلنا نرتقي لنقيس أنفسنا بك، لا لنجعلك أنت على قياسنا.
اهدنا إلى فرح حضورك الحقّ الحيّ في حياتنا، فنعرف كيف نتعاطى مع آلام هذا الدهر ومخاوفه.
اجعلنا نصدّق أنّك صنعتنا من أجل حبّ غير محدود.
علّمنا روح الفقر لندرك الغنى الحقيقي.
زوّدنا بمحبّتك وأطلقنا لنحبّ خليقتك بكلّيتها، ليصدّق العالم أنّك إله محبّ. 
علّمنا أن نعايدك في المساكين والمنسيّين وسامحنا لأنّنا غالباً ما نستبدلك بالأضواء والبهرجات الدنيويّة.
*****
محبّتك المبثوثة في العالم عبر تلاميذك الأمناء هي البرهان الأقوى على أنّ السماء انحنت مرّة على الأرض؛ يوم تجسّدت فيها لتفتديها معيداً إيّاها فردوساً. 
مذّاك صارت الأرض قادرةً على أن تكون سماء.