كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

يظهر أنّ صفاء التناغم بين الإكليروس والعلمانيّين في الكنيسة الأرثوذكسيّة، بقي محفوظًا في الإفخارستيّا، حيث يجتمع الشعب حول الأسقف الذي يتقدّم الشعب أو يؤمّه في الصلاة. وبقي التعليم العقائديّ يمنع الأسقف والكاهن من إقامة القدّاس الإلهيّ من دون حضور الشعب. ما يعني أنّ الشعب ما يزال يمارس كهنوته الملوكيّ، أقلّه في القدّاس الإلهيّ، وإن كان معظم المؤمنين لا يعرفون هذا الأمر. وكم نحتاج حاليًّا إلى أداء ليتورجيّ ينقل المؤمنين من دور «المتفرّج» إلى دور المشارك الحقيقيّ.

تشهد الكنيسة اليوم صراعًا هادئًا بين الإكليريكيّين والعلمانيّين. فمن جهة العلمانيّين، تراجع نفوذ ذوي المال والسياسة في العقود الأخيرة، واشتدّت وطأة الحياة الاقتصاديّة، وتوسّعت المدن أكثر ممّا كانت عليه قبل أربعين عامًا، وعمّ نمط الحياة المدرسيّة، ما أخّر الشابّ في العمل وتأمين مدخول مادّيّ. إلى ذلك، شاع نمط الحياة الاستهلاكيّة والدوام الوظيفيّ الطويل، واشتدّت وطأة الحياة الاقتصاديّة هذا ساهم، إلى جانب استعادة متصاعدة لدور الإكليروس الذي كان مفقودًا، في تراجع دور العلمانيّين في الكنيسة. إضافة إلى هذه العوامل برز في الجانب الإكليريكيّ، إكليروس رفيع الثقافة والفهم قام بدور لم يكن مألوفًا في الرعاية والتعليم، بشكل خاصّ، وأدّت المطرانيّات والرعايا، نتيجة ذلك التطوّر الإيجابيّ، دورًا لم يكن معروفًا من قبل على صعد عديدة. هذا نجم عنه بروز دور الإكليروس وكأنّه يدير كلّ شيء، وساهم إلى جانب العوامل السابقة الذكر، في تراجع دور العلمانيّين، حتّى وصل الأمر في بعض الأماكن، إلى تحميل الأسقف وحده مسؤوليّة بناء الكنائس، ما عزّز انتشار مفهوم يحصر المسؤوليّة بالإكليروس ويعفي العلمانيّين من مسؤوليّتهم، إلاّ في مجالي طاعة الإكليروس وتنفيذ توجيهاته.

سيطرة شبه مطلقة للعلمانيّين كانت سائدة في الماضي، حتّى ستّينات القرن العشرين، يقابلها منذ فترة تنامي سيطرة مقابلة للإكليريكيّين. كانت نتيجة النمط الأوّل بروز الإكليروس الضعيف الذي ينحصر عمله في إقامة الأسرار، والمُستبعد عن كلّ عمل مؤسّساتي تعليميّ أو اجتماعيّ، وغير القادر على تعليم الشعب، وغير المؤهّل للوعظ، ويفتقد سبل الرعاية. أمّا نتيجة النمط الثاني، فإكليروس يعتقد أنّه مؤهّل للقيام بكلّ الأدوار والمهامّ، يطالب العلمانيّين بطاعته، والعمل بتوجيهه من أجل نهضة الكنيسة. يتوسّع مفهوم غريب مفاده «رئيس ومرؤوس، ربّ عمل وعمّال». ما يستدعي عند العلمانيّين ردود فعل، هنا وثمّة، تختلف في ارتفاع وتيرة معارضتها واقعًا كهذا. منها ما ينكفئ ومنها ما يعارض بكلّ السبل المقبولة وغير المقبولة.

ظهرت بوادر النهضة الكنسيّة مع التزام المؤمنين نهضة كنيستهم روحيًّا وتعليميًّا، وتزايدت هذه النهضة في ما بعد، وأعطت معهدًا لاهوتيًّا، وكهنة مخلصين ومتعلّمين وقادرين على القيام بواجباتهم. وهذا ما أدّى، تحت الضغط والتهميش السابقين ومعارضة العديدين دعم الروح الرعائيّة الناشئة، إلى تفرّد بعض الإكليريكيّين بمصادر القرار ومتابعة سيرهم فيه خوفًا من إيقافه إذا تسلّمه علمانيّون. ما استتبع تغييبًا قد يكون غير مقصود لدور العلمانيّين، ونشوء تعليم جديد يقول بلزوم ترؤّس الإكليريكيّ كلّ شاردة وواردة في الكنيسة، وإلاّ بطلت أن تكون أيّة خدمة، مهما كانت عظيمة، كنسيّة.

وفي حين ما يزال العلمانيّون في أماكن كثيرة، ودوائر كنسيّة عديدة، يتصرّفون بكامل حرّيّتهم، وكأنّهم أصحاب القرار الوحيدين، مستبعدين الإكليريكيّين من ساحة عملهم، أو يعتبرونهم موظّفين، لديهم خدمات يحدّدونها هم، ما يغيِّب الروح الكنسيّة وبعدها الروحيّ وحتّى الإنجيليّ عن مؤسّسات كنسيّة عديدة.

تفيد قراءتنا السريعة هذه، إلى أنّنا ما زلنا في الفعل وردّ الفعل، والنتيجة أنّ الكنيسة مقصّرة عن القيام بالخدمات المطلوبة منها اليوم وهي أكثر من أن تعدّ. أيّ صراع من أيّ نوع كان في الكنيسة هو خسارة لها. أيّ تطرّف ليس من الروح الأرثوذكسيّة. أيّ تغييب لأحد الطرفين يتعارض مع التعليم الأرثوذكسيّ. الكنيسة الأرثوذكسيّة، لكونها مؤسّسة إلهيّة، قائمة على التناغم بين الروح القدس والنفس البشريّة، بين العلمانيّين والإكليريكيّين، بين المتعلّمين والمعلّمين، بين الرهبان والكهنة، والإداريّين والروحانيّين، والمنظّرين والعمليّين.

كم نحن بحاجة إلى وعي أنّ الفرق الأساس بين الشعب والإكليروس حاصل من تنوّع الخدمات، وأنّ هذا التنوّع ليس مقامًا من سلطة كنسيّة، ولا من بعض جماعة الإكليروس، بل نابع من مفهوم الكنيسة ذاته.

بدون الإكليروس تخسر الكنيسة دورها الخلاصيّ، وتصير مجرّد مؤسّسة دنيويّة، وبدون العلمانيّين تتقلّص الخدمات الكنسيّة، وتقصّر الكنيسة عن القيام بأبسط أدوارها. روح الله يهبّ حيث يشاء. فلا الإكليروس يحصره ولا العلمانيّون يسيطرون عليه.

الحاجة ماسّة إلى سيادة روح التكامل، لا روح التنافر، روح التقارب، لا روح التباعد. الرعاية الفضلى رعاية متخصّصة، ليس بمقدور الكاهن، مهما كان عظيمًا ونادرًا، أن يقوم بها وحده اليوم. وليس بمقدور العلمانيّين أن يقوموا بها من دون الأسرار الكنسيّة، وبعدها الخلاصيّ، وتاليًا الأمر منوط بالإكليريكيّين.

نحن بحاجة إلى استعادة مفهوم الكهنوت الملوكيّ، ووعي قضيّة تكريس المؤمنين الكامل لله في سرّي المعموديّة والميرون، ومعرفة أنّ سرّ الكهنوت ليس تكريسًا حصريًّا، بقدر ما هو موهبة خاصّة يمنحها الروح القدس لأشخاص ينتقيهم للقيام بدور أساس في الكنيسة.