كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين
سيدي، لعلّ أقسى ما في إنجيلك أنك تركت الحنطة مع الزؤان حتّى الدينونة الأخيرة. هكذا فهمنا أنّ كنيستك، على الأرض، ليست مجموعة قديسين، بقدر ما هي جماعة مجاهدين يطلبون القداسة، وقد يحصلون عليها وقد لا يرونها إلا من بعيد، ومرّات كثيرة لا يرونها أبداً. أردتها جماعة طلاّب حقّ، والحقّ هو أنت وفيك يُرى، ونحن نتعجّب من كونها مضطَهدة، وفي نزاع، حتّى منتهى الدهر.
نزاعاتنا وخطايانا التي نلصقها بك تصوّر لنا أننا ندافع عنك وعن جسدك الممدود في الأرض. بينما الواقع يقول إننا لهذا وذاك من خدّامك، أكثر ممّا نحن لك. 
علّمتنا أيضاً أن القداسة لا تُعطى إلا عندما تُطلب حقّاً في الطريق الضيق. وهكذا عرفنا أنّنا يجب أن نضيّق على أنفسنا، لا على الغير، وأنّه يجب أن نطالب أنفسنا بالحقّ والاستقامة، قبل أيّ شيء آخر. 
ثم قدّمت حياتك من أجل أن يكون للحقّ والطهر والبذل المكان الأرفع في خليقتك. فكانت ذبيحتك ترجمة حقيقية لكلامك الطاهر. وهكذا بتواضعك ماهيت شخصك بكلمتك. فكانت حياتك كلّها نزولاً. لم تصعد إلا مرّتين. الأولى كانت من أجل يسمع الجمع الغفير تعليمك، فصعدت إلى الجبل لتعطيهم الشريعة الجديدة. والثانية على الصليب. على تلة الجلجلة قبلت أن يرفعوك شهيداً، لتعانق العالم بيديك الممدودتين عليه. فكان ارتفاعك هذا ذروة النزول لأنّه أفضى بك إلى قبر في مغارة أرضيّة. 
وبنزولك الأقصى هذا عدت فقمت وفجرّت الحياة، تلك التي قلت في إنجيلك، أنك أتيت من أجل أن تعطيها لنا، ومن أجل أن يكون فينا ملؤها.
أمّا نحن فكثيراً ما نتصرّف على العكس منك.
نحبّ التشاوف والتعظم وأن يرانا الناس زعماء أكثر من خدّام وآباء. 
نريد أتباعاً ولو سقناهم إلى الهلاك. ولأنّنا صغار نكبر، لا بك، بل بهم، 
لنشعر بأنّنا فاعلون ومؤثّرون وذوي مكانة.
إن كان أبناؤك، لمحبّتهم لنا، لا يعرفوننا إلا من الخارج، فأيّ تبرير لنا، ونحن نعرف أنفسنا، 
ونعلم كمّ الدناءة والضعة والقذارة التي في دواخلنا.
هلاّ علّمتنا يا سيد كيف ننزل كي ترفعنا؟
ألا توجّهنا إلى معرفة الرفعة التي تليق بشعبك وخدّامك؟
ألا يكفينا أن نكون عند قدميك؟
أليس الملء كلّه في أن نصغي إليك، كما فعلت مريم، فحصلت على النصيب الصالح، الذي لا يُنزع منها؟
في غمرة انتشائنا بذواتنا وأنانا، ننساك مرّات كثير، يا سيدي، ونستبدلك بأتباعنا؟
ننشغل بالشيطان الساكن فينا، ونتبع وساوسه، فلا نعود نراك، أو نسمعك. وهكذا، يقودنا المجد الباطل، إلى أن نفعل ما نراه وما نعتقده الحقّ، في ما هو، بالحقيقة، آثامنا. لا نعود نميّز، يا سيدي، بين أهوائنا وغيرتنا على بيتك!
لا تدع ربّي الاضطرابات تسوقنا إلى السلوك بعكس إنجيلك.
ترأف علينا وعلى قسوتنا، واسكب فينا من رحمتك الكثير الكثير.
لقد حمّلتنا مسؤولية رهيبة، لأنك ارتضيت بأن يكون روحك القدّوس في أوانٍ خزفية، هي نحن السريعو العطب! 
كيف نحافظ على أوانينا بدون عطب، والانزلاق سهل جداً، والوهم بأنّنا أتباعك المكلّفون بإصلاح كنيستك والعالم، مغرٍ جداً؟
ربّي كم من مرّة جُرِّبنا بأن نعمل بعكس إنجيلك، كي نخدم كنيستك الخدمة الفضلى!
وكم خالفنا إنجيلك عندما قدّسنا الوسيلة من أجل الوصول إلى الغاية! 
وكمّ خنّاك عندما أزحناك واستخدمناك أداةً لمصالحنا ورغباتنا!
علّمنا، ربّي، أنّنا لسنا أفضل منك، لأن ما من عبد أفضل من سيّده،
ساعدنا كي نقبل مثالك، مثال العبد المضطهَد لا المضطهِد،
سدّد خطانا لتكون أنت المحبوب الأوّل،
واجعلنا نصغي إليك أكثر ممّا نتكلّم عنك،
فنميّز حسناً بين مشيئتك وأهوائنا.
سيّدي، علّمتنا كثيراً، عبر التاريخ، أنّك تسمح بالاضطهاد الخارجي والداخلي عندما نزوغ عن الحقّ ونضلّ الطريق المستقيم.
لا تؤدّبنا بقسوة، ربّي، فإنّنا نكاد لا نحتمل.
أبقنا بقية تشهد لك، لملء الحياة التي أردتها، وللفرح الذي أطلقته ملائكتك مذ شرّفت أرضنا بزيارتك.
سئم الناس يا مسيحي كنيستك بسببنا، فاغفر لنا واهدنا الطريق القويم. 
نريدك أنت، ربّي، فلا تدعنا نتلهّى عنك بما يخصّك.