كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين
 
"كان الناموس والأنبياء إلى يوحنّا، ومن ذلك الوقت يبشَّر بملكوت الله، وكلّ واحد يغتصبُ نفسه إليه"(لوقا16/16). وقد وردت هذه الآية في نصّ "القراءة الرعائيّة" الجديد، مفسَّرة بشكل أوضح، هكذا: "بقيت الشريعة والأنبياء إلى أن جاء يوحنّا، ثمّ بدأت البشارة بملكوت الله، فأخذ كلّ إنسان يجاهد ليدخله قسراً". بينما جاء في الترجمة القديمة "يدخلونه عنوة"، وفي الترجمة المبسَّطة: "والمجاهدون يدخلونه".
والمعنى واحد في كلّ الترجمات، وهو أنّ الإنسان لا يحصل على ملكوت الله بسهولة، بل بنضال، بجهاد، بأتعاب، بمساعٍ. وليس هذا التعليم غريباً، إذ إنّ كلّ شيء هامّ، في هذه الدنيا، يحتاج إلى جهد للحصول عليه. ما من شيء يأتي بسهولة ودونما تعب. فكم بالأحرى ملكوت السموات، وهو الأثمن والأغلى؛ هو الهدف والغاية، عند المؤمن.
تذكّرنا هذه الآية بما يسمّيه تراثنا الروحي: "الجهاد". الجهاد في سبيل الملكوت السماوي أساسيّ، بحسب الإيمان المسيحيّ. وقد طالبنا به المسيح بنفسه، كما رأينا في الآية الإنجيليّة السابقة. لكن من الضروري بمكان، في زمننا هذا، توضيح معنى هذه اللفظة، وشرحها، مسيحيّاً. فثمّة فهم مغلوط قد ينشأ من استعمالها، بسبب صيرورتها، مؤخراً، مصطلحاً يفيد معنى الحرب والقتل "في سبيل الله"، وهو مفهوم مضادّ، بالكليّة، للمفهوم المسيحي.
تشير لفظة الجهاد، في الأدب المسيحي الكنسي، الشرقي بخاصّة، إلى الجهاد الروحيّ. والمقصود بالروحيّ، ببساطة، هو أن يحفظ الإنسان ذاته من الشرور المحيطة به، ويقي نفسه من الوقوع في الخطيئة. فعالمنا مليء بالشرّ والأشرار، والمؤمن يسعى جهده، ويعمل ويناضل ويجتهد، حتى يكون بمنأى عنها، وعن تأثيرها السيء عليه. هدف المسيحي أن يصير إناء حاملاً للروح القدس، مسكناً لائقاً بالله الحيّ، ينضح طهارةً ونقاوةً وقداسةً وقوةً روحيّةً، تغلب جميع الشرور وتمحوها.
يستعير الرسول بولس صورة المعركة الحربيّة، لكي يصوّر الجهاد المطلوب من المسيحي. فيعتبره جنديّاً على الخط الأمامي، مسلّحاً بكافّة الأسلحة الدفاعيّة، لكنّه يعطيها معنى روحيّاً، بعيداً كلّ البعد عن صور القتل وما يرافقها. فيقول: 
"تسلّحوا بسلاح الله الكامل، لتقدروا أن تقاوموا مكايد إبليس. فنحن لا نحارب أعداء من لحم ودم، بل أصحاب الرئاسة والسلطان والسيادة على هذا العالم، عالم الظلام والأرواح الشرّيرة في الأجواء السماويّة. لذلك احملوا سلاح الله الكامل، لتقدروا أن تقاوموا في يوم الشرّ، وأن تثبتوا، بعدما تمّمتم كلّ شيء. فاثبتوا، إذاً، متمنطقين بالحقّ، لابسين درع الاستقامة، منتعلين بالحماسة، في إعلان بشارة السلام. واحملوا الإيمان ترساً، في كلّ وقت، لأنّ به تقدرون أن تطفئوا حميّة سهام الشرّير المشتعلة. والبسوا خوذة الخلاص، وتقلّدوا سيف الروح، الذي هو كلام الله"(أفسس 6/10-17)
إذاً ما المطلوب حتّى نحفظ ذواتنا؟ أن نقتل، بهذه الأسلحة الروحيّة، الشرّ الموجود فينا. فساحة الجهاد ومعركته هي ذواتنا، داخلنا؟ ويقول الإنجيل لنا على لسان الربّ، إنّ كلّ الشرور تنبع من القلب، من الداخل، لا خارجاً عنّا. جذور الشرّ كامنة فينا، وعندما يثيرها الخارج تتحرّك، وتندفع، بقوّة، غضباً وحقداً وشراسة ولؤماً وأذيّةً ...إلخ.
قوى الشرّ هذه تطلع من الداخل، والشيطان يحرّكها من الداخل والخارج، لأنّنا لسنا طاهرين بالمقدار المطلوب. فجهادنا، إذن، يكمن في العمل على تطهير ذواتنا، من الداخل، من كلّ الآثام والشرور والخطايا وما إليها. علينا أن نتحرّر من الغضب والحقد وعدم القدرة على الغفران والأنانيّة والبغض والكسل والبخل والشهوانيّة والتردّد أمام المساهمة في عمل الخير ونشره....إلخ.
عدم الجهاد في هذا الحقل يضعفنا أكثر فأكثر، ويجعلنا نتجاوب مع التجربة، مهما كانت خفيفة، ونقع، تالياً، في الخطيئة. أمّا الجهاد الذي يتطلّب اليقظة والسهر، فيجعلنا نتمسّك بالمسيح وكلمة الله، ونحيا التوبة باستمرار، فنتقوّى أكثر فأكثر، وتفقد سهام الشرير وحروبه تأثيرها السلبي علينا. 
هذا النمط من العيش يحتاج إلى نعمة الله، التي يسكبها الله على الإنسان، بغزارة، إذا ما رأى أمانته وصبره ومثابرته. أتعابنا تجلب نعمة الله، التي تُضعف قوى الشرّ الكامنة في دواخلنا، وتمكّننا من صدّها، عندما تهاجمنا من الخارج أو من الداخل.
الجهاد الروحي مطلوب، إذاً، من كلّ إنسان. قد يبدو صعباً على المبتدئ، لكن الإنجيل يقول: "ادخلوا من الباب الضيّق. فما أوسع الباب، وأسهل الطريق المؤدية إلى الهلاك، وما أكثر الذين يسلكونها" (متى 7/13). يستسهل الإنسان الشرّ لأنّه يتماشى مع انفعالاته. وما أسهل الانسياق مع الانفعال! أنت تحتاج إلى بطولة لكي توقف انفعالاتك وترفضها. هنا المعركة، التي لا يفهمها إلا من قد اختبرها، أو ذاق شيئاً منها. تحتاج المعركة الروحيّة إلى قوّة إرادة، وإلى قوّة قلب، وإلى محبّة صادقة للمسيح، وثقة عظيمة به. إن أدرك الإنسان أنّ حضور المسيح معه أهمّ ما في الدنيا، تتحوّل أتعاب جهاده الروحيّ إلى تعزيات ولا أعذب، ويستسهل كلّ مشقّة في سبيلها.
عندما يحيا الإنسان في هذا المناخ الجهادي الروحي، ينتقل من نقاء إلى آخر، وتفعل نعمة الله فيه أكثر فأكثر. بمقدار ما يقلّ الشرّ الداخلي، يزداد فعل حضور الله فيه، ومنه في العالم المحيط به. والهالة، التي تُصوَّر حول رؤوس القدّيسين، تشير إلى نور الله النازل عليهم، وفي الوقت ذاته، تشير إلى نور الله المنبثّ بواسطتهم.
ثمّة أناس تشعر بالسلام إذا ما رافقتهم، ولو قليلاً. إنّه سلام الله الذي حصّلوه؛ ذاك الذي قال عنه القدّيس سيرافيم ساروفسكي: "كُنْ بسلامٍ، وألوف من الذي حولك سيجدون السلام". 
تركّز الروحانيّة الأرثوذكسية على جهاد التنقية الداخلي، لأنّها تؤمن، يقيناً، بأنّه السبيل الأساس إلى نقاء العالم وسلامه وخلاصه وتغييره. 
كم هي كثيرة، النظم والتشريعات والهيئات والمشاريع، التي نشأت عبر التاريخ، من أجل تغيير الحياة نحو الأفضل! ومع ذلك كم منها انحرف عن هدفه وضلّ السبيل؟! الإنسان هو الأساس. عندما يتوفّر الإنسان النقيّ الطاهر المنفتح على حضور الله، يأتي بالمعجزات. أمّا الذي يجاهد في الأمور الخارجيّة فقط، فيبقى جهده قاصراً، وغير مؤثِّر بالشكل المطلوب.
وإذ نحن مقبلون على زمن الصوم، الفرصة، أمامنا، كبيرة، لكي نذوق فرح هذا الجهاد الروحي وفائدته، إن عرفنا كيف نعيشه بروحيّة الصوم الأصيلة.