كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

++ نص المداخلة التي ألقاها صاحب السيادة +المطران سابا في مؤتمر الحوار الوطني السوري، ((سوتشي، 30 كانون الأول 2018، باسم وفد رجال الدين المسيحي.))

ذهبنا، رجال دين مسيحيين سوريين، في كانون الأول من العام 2011 إلى جنيف، بناءً على دعوةٍ من مجلس الكنائس العالمي، للاستماع إلينا، رغبةً من المجلس في معرفةٍ أَدقّ لما يحصل في البلد. عندما قال أحدنا في، مداخلته، إن الأمر يتضمّن ثلاثة أبعاد: داخلي وإقليمي وعالمي. جوبه برفض شديد من أكثرية الحضور غير السوري، إذ كانوا، آنذاك، لا يرون في ما يحصل سوى البعد الداخلي، ومن منظار ضيّق ومحدود المدى.
بعد ثلاث سنوات، بدأت بعض رسائل الاعتذار ترد من بعضٍ ممّن رفضوا النظر إلى ما يحدث نظرة شاملة.
وها اليوم، وبعد سبع سنوات من آلام شعبنا، التي تعجز الكلمات عن وصفها، ومن التدمير الهائل لمقدرات البلد، جئنا نتحاور، بمبادرة مشكورة من دولة روسيا، وحسن نيّة مأمول من جميع الحاضرين. فيما يرجو شعبنا، من لقائنا هذا، تباشير الفَرَج. 
اسمحوا لي أن أخاطبكم باسم هذا الشعب الصبور والأصيل، الشعب السوري الذي شكّل، وما يزال، على مرّ التاريخ فسيسفاء حضارية ودينية ومذهبية، يحتاج عالمنا المعاصر خبرةَ عيشها السلامي. 
فكلّ من اطّلع على التاريخ، يعرف أن بلاد الشام، ولا تزال، كانت ساحة صراع القوى العظمى منذ القرن الثالث عشر ق.م (بدء تدوين التاريخ). وقد أنتج هذا الصراع العالمي على أرضنا آلاماً هائلة، حوّلها شعبنا الجبّار إلى تلاقح حضاري عميق الثراء، بدليل أن سورية لم تشهد، عبر تاريخها، حرباً أهليّة واحدة.
فعلى الرغم من تجاور مختلف الانتماءات الدينية والمذهبية والفكرية والسياسية، على أرضها، وتدخلات القريب والبعيد فيها، كان السوريون، ولا يزالون، يعيشون سوياً، في السرّاء والضرّاء، ويتعاونون على شظف العيش وقسوة التاريخ. وإذا ما أردنا أن نحصي القصص النيّرة، التي جرت هنا وهناك، في هذه السنوات السبع، لاحتجنا إلى عدّة مجلّدات. 
نرجو أن يكون هذا اللقاء مؤتمراً تأسيسيّاً، يخرج بالخطوط العامّة لسورية التي نحلم بها جميعاً، والتي يتطلّع عبرها جميع السوريين إلينا اليوم، منتظرين إشارة تحمل إليهم الأمل، وتجدّد فيهم الرجاء.
يحقّ لنا، كسوريين، أن نبني بلدنا بأيدينا، ويحقّ لشعبنا المضياف، محبّ السلام والحقّ، أن يحيا بسلام وازدهار. وإذا ما أعطي السلام فهو قادر على إغناء العالم بالكثير ممّا يفتقده ويحتاج إليه.
آن لشعبنا أن ينعم بالفرح والاستقرار، ولعذابه أن ينتهي، ولليله أن ينجلي، ولمعاناته أن تتوقف.
دعونا نؤكد له، فعلياً، أنّه هو الأهم. ما من شيء أكثر أهمية من الإنسان وأرض الوطن. خليقة الله هي أثمن ما في الوجود، وتستحقّ أن تنعم بالعيش في وطنها بعزّة وحريّة وكرامة وراحة بال. لنتذكّر أنّ كلّ النظم التي قد يختلف البشرعليها، إنّما وُضعت من أجل الإنسان، لا ليُضحّى به باسمها.
دعونا نكون رسل مصالحة وحوار وبناء. ونبدأ بخلع ما أُلبسناه زوراً، ونعمل على إظهار ما نحن إياه في الحقيقة، شعباً طيّباً محبّاً وأميناً على وطنه والقيم الإنسانية.
نحن شعب يعيش حوار الحياة... فليكن هذا اللقاء بداية تجذير وتجسيد لصُلب تراثنا المعاش، ونطقاً بما يمليه عليه ضميرنا الوطني والإنساني والديني. لنكن بنّائين في قول الكلمة المحيية لشعبنا وبلدنا. فلن يغفر التاريخ لنا إن لم نكن على قدر تطلّع شعبنا إلينا. 
كفانا قتلاً وموتاً. فشعبٌ أنتج حضارات الحياة والقيامة، من تموز إلى أدونيس إلى المسيح، لا يستحقّ إلا الحياة، لا بل الحياة الحقّة.
أستودعكم الكلام، على رجاء أن ننطلق من ههنا، معلنين إغلاق درب الجلجلة، وفتح الطريق إلى القيامة.