كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

 

عندما كنت كاهناً في اللاذقيّة، علمت بأنّ إحدى السيّدات الفاضلات، في الرعيّة التي أخدم، قد فقدت أولادها الأربعة، واحداً بعد الآخر، خلال عدّة سنوات. بعد فَقْدها الولد الرابع بفترة قصيرة، زارتها إحدى صديقاتها، متفقِّدةً إيّاها، صباح أحد السبوت، واستشعرت رائحة البخور تفوح في البيت. فعرفت أنّ تلك السيّدة المصليّة قد أنهت، للتوّ، صلواتها الصباحيّة وتبخير الأيقونات. فقالت لها: "أتبخّرينه وقد أخذ أولادك الأربعة، وتركك وحيدة؟!". فأجابتها، بثقة وصلابة، وهي تشير إلى أيقونة السيّد: "ولو تركني هو، فأنا لن أتركه".
هذه حال المؤمن الحقّ إزاء الشدائد والمصائب، أيّاً يكن نوعها. مغبوطة هي تلك السيّدة على إيمانها. طوبى لأمثالها، لأنّهم بلغوا جوهر الإيمان المسيحيّ. 
بشكل عامّ، يتحوّل رفض الإنسان للشرّ إلى رفضٍ لله. ولأنّه يحمّل الله المسؤوليّة، يعاتبه، بعنف أحياناً، ولسان حاله: لماذا لم تمنع ذلك الشرّ؟ كثيرون هم الذين يرفضون وجود الله ووجود الشرّ معاً، فيهجرون الله، لأن لا طاقة لهم على منع الشرّور. بينما يحاول كثيرون أن يجدوا تفسيراً مقبولاً لوجود الشرّ، وعدم تدخّل الله، دوماً، من أجل إيقافه أو منعه. 
في الواقع، ينتظر غالبيّة الناس أعجوبة من الله، بخصوص الشرور الحاصلة أمامهم ومعهم. ولأنّهم يتعاملون معه كالساحر، الذي يحرّك كلّ شيء بإشارة من عصاه، ويحمّلونه، بسبب عجزهم، كلّ المسؤوليّة، تراهم إمّا يهاجمون الله، بحدّة وانفعاليّة شديدة، ليعودوا، بعد زمن، إلى التسليم، قسراً، بما حدث معهم، أو يعتنقون الإلحاد، ويغيبّون الله عن حياتهم كليّاً. 
وككلّ مجتمع بشري، ظهر، بين المسيحيين، لاهوتيّون ومفكّرون كثر، وسيظل يظهر منهم. عالج هؤلاء مشكلة الشرّ، ومصدره، وموقف الله منه، وسبب سماحه به، وعدم إيقافه أو إزالته...إلخ، وأدلوا بأجوبتهم. لكن يبقى الموقف الأهمّ من الشر، هو الذي فعله المسيح بذاته.
قارب المسيح الشرّ عمليّاً، لا نظريّاً ولا كلاميّاً. ببساطة وإيجاز، أتى الله إلى البشرية الرازحة تحت الشرور المختلفة، بسبب بعدها عنه تعالى، وعدم قدرتها على إيجاده، والانفتاح عليه. أتى إلى البشر، تجسّد وصار مثلهم، ما خلا الخطيئة، وعاش بينهم ومعهم. رأى الحزين فعزّاه، والأبرص فطهّره، والجائع فكثّر له الخبز، والأعمى فأعاد البصر إليه، والميت فأعاده إلى الحياة. وبقيامته فتح الطريق أمام البشر، لكي يعودوا إلى هدف وجودهم، مقاومين الشرّ في ذواتهم أوّلاً، ومن ثمّ في العالم المحيط بهم. 
وعلى خطى المسيح، أعداد لا تحصى من محبّيه، عبر التاريخ، كرّسوا أنفسهم لمقاومة أنواع الشرور المختلفة، بواسطة تبنّي المضروبين بها، والتصدّي لأسبابها. وحملت شهادتهم هذه، أكانت مقاوَمَة أم مساعَدَة، تعابير زمن المجتمع وثقافته، الذي عاشوا فيه وشهدوا لإيمانهم في وسطه. 
ما ساءل القدّيسون الله، بل على مثاله، انخرطوا في التصدّي للشرور، مطهّرين ذواتهم، وباذلين حياتهم في سبيل الآخرين. 
لقد رافق المسيح الخطأة والمنبوذين والمهمَّشين والمقصييّن، مشدِّداً ومقوّياً ومعزّياً لهم، ومانحاً إيّاهم القوّة الروحيّة لمواجهة واقعهم. وهذا ما يجب أن يكون عمل أتباعه، أيّاً يكن موقعهم أو عملهم أو درجة علمهم ومعرفتهم، لأنّ محرّكهم هو إيمانهم وحياتهم المسيحيّة النقيّة. تراهم إنِ اقتنوا حسّ المسيح، يتعاطفون مع غيرهم، ويواجهون الشرور بقدر ما يستطيعون. 
لعلّ أهمّ ما في الأمر، هو كيف ينظر المؤمن إلى الشرّ على صعيده الشخصي، وتالياً، كيف يقدر أن ينقل نظرته هذه إلى غيره. 
نحتاج، أوّلاً، إلى تنقية أذهاننا من الصور الغريبة والمشوِّهة لله. فالإله الذي صار إنساناً لكي يخلّص الإنسان، ليس إلهاً معاقِباً ومنتقِماً من البشر، وساخطاً عليهم. للأسف، يُظهر التاريخ البشري أنّ الإنسان، عندما لا يستطيع التمثّل بالله، والتسامي إليه، يستسهل تنزيله تعالى إلى مستواه، ليجعله إلهاً أهوائيّاً إنفعاليّاً، على شاكلته البشريّة الساقطة. وعندما يقبل تراثه الدينيّ حرفيّاً، يجد أحداثاً وألفاظاً يفسّرها بما يناسب مصالحه، ويتناسب معها!!
ويحتاج، ثانياً، إلى الدخول في علاقة محبّة شخصيّة مع الله. التاريخ والحاضر يُظهران أنّ الذين دخلوا في العشق الإلهي، استطاعوا أن يُخرجوا، من كلّ ما يحدث لهم، مهما كان قاسياً، وجهاً خيِّراً خلاصيّاً، لهم ولغيرهم. وخلقوا واحات ملكوتيّة معزّية في وسط الشقاء المصحِّر للنفوس، بدلاً من أن يلعنوا العتمة. كما اختبروا جيّداً، مقولة الرسول بولس: "ونحن نعلم أنّ كلّ الأشياء تعمل معاً للخير، للذين يحبّون الله" (روما8/28). محبّتهم لله تجعلهم يستخرجون من الشرّ الحاصل خيراً، ويخرجون منه ترياقاً مفيداً، كما يُستخرَج الترياق من سمّ الأفعى. 
ليس الأمر أن يتدخل الله بحسب ما نرى نحن. هذا حصل ويحصل، والله قادر على التدخّل، ولذلك نطلب إليه ونتضرّع ونرفع الصلوات دائماً. ولكن الأهمّ هو أن نفهم أنّ الله يرافقنا في شدائدنا، ويتألّم معنا منها، ويقوّينا ويشدّدنا ويعزّينا. ولنا أن نترك له إمكانيّة رفعها عنّا، إن عرفنا أن نضع حياتنا بين يديه. أو بالأدّق، إن امتلكنا نفوساً صافية وعيوناً روحيّة تستطيع أن ترى وتتحسّس حضوره معها. إنّه معنا وفي ما بيننا، لكنّه لا يقتحمنا قسراً. ينتظرنا لننفتح عليه. نحن من نحتاج إلى تغيير ذواتنا وأذهاننا، حتّى نلمس حضوره. 
نضعف أحياناً، ونتعب أحياناً، لكنّنا بنعمته، نستمرّ ونتشدّد. يختبر المؤمن، كغيره، أنواع الآلام والأحزان، وقد يرزح تحتها أحياناً كثيرة. لكنّه لا يني يتطلّع إلى القيامة المنشودة، فتأتيه النعمة الإلهيّة، وتقيمه ثانية. اختباره للألم يساعده في التعاطف مع المتألّمين، وينمّي فيه الحسّ الإنساني. 
يقول الأب الأنغليكاني مايكل لابسلي، [مناضل في سبيل تحرير جنوب إفريقيا من نظام التمييز العنصري، الذي كان سائداً فيها. وقد تعرّض لمحاولة اغتيال برسالة مفخّخة، ففقد إحدى عينيّه ويديه الاثنتين، وقضى ثمانية شهور في المستشفيات، وخرج ليتابع رسالته. وأسس مراكز شفاء الذاكرة بعد إزالة التمييز العنصري]: "نحن الذين نحمل علامات الحرب والتعذيب نثير، أيضاً لدى الآخرين، ردود فعل محبّة، وهذا برهان على أنّ العدالة والسلام والوداعة والشفقة واللطف، هي أقوى من الكراهية والشرّ والموت. إنّها رسالة فداء". 
نحتاج إلى أن نقبل، إلى أنّ الله لا يعدنا بأن لا نتألّم، بل يعدنا بما يلي: "انظروا أنا معكم دائماً حتّى انقضاء الدهر". ليس الشرّ مشيئة الله إطلاقاً. إنّه ثمرة غياب الله. 
اعتقل النازيون، في العام 1941، القدّيس نيقولاي الأُخريدي (صربي الجنسيّة)، ووضعوه في معتقل داشو، المعروف بالقسوة واللا إنسانيّة. وقد أمضى فيه سنتين، عانى خلالهما أشدّ التّعذيبات، الّتي يمكن أن يحتملها إنسان. [كتب يوميّاته في المعتقل، وتسبيحاً لوالدة الإله، التي ينسب إليها نجاته من المعتقل].
سأله أحدهم: "هل يدمّر المعتقل الحياة الرّوحيّة أو يُحييها؟". فأجاب هكذا: "أنت جالسٌ في الزاويّة، وتقول لنفسك: "أنا تراب، أنا رماد، يا ربّ خذ روحي". وفجأة، ترتفع روحك، وترى الله وجهاً لوجه، ولكنّك لا تتحمّل هذه الرؤية، فتقول له: "يا ربّ لا أستطيع، أعدني مجدّداً إلى حيث كنت". وهكذا، من جديد، تقبع في الزاوية ساعات متتالية وطويلة، وتقول لنفسك: "أنا تراب، أنا رماد، يا ربّ خذ نفسي". ومن جديد يرفعك الربّ الإله لتعاينه... لو كنتُ أستطيع، لكنت أستبدل كلّ سني حياتي بساعة واحدة في معتقل داشو!". 
اللهمّ، احفظنا، ونجّنا ممّا هو فوق طاقتنا على الاحتمال، واعطنا أن نراك معنا في كلّ الظروف والأحوال.