كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين
 
مع مطلع هذه السنة الجديدة، يشدّني الصمت إليه بقوّة، وأسجد في هدأة الليل شاخصاً إلى وجهك النيِّر، يا ربّ. أستعذب الصمت، يا ربّ، لا غاية بحدّ ذاتها، بل امتلاء من حضورك، وقدرة أكبر على الإصغاء إلى صوتك وفعلك في حياتي. 
هاءنذا، كباقي البشر، أودّع سنة، وأستقبل أخرى جديدة. مع أنّني أعلم، جيّداً، أنّ الزمان سائر بي ومن دوني. وأعرف أنّه قابض على البشر بإحكام، لأنّهم تحت رحمته، وإنْ تهرّبوا منه، وحاولوا التغطية عليه. 
مسكين الإنسان، يا ربّي يسوع ومسكين، بالأكثر، عندما يهجرك ويستبدلك بأشياء وأشياء. مسكين وفقير لأنّه يبقى، من دونك، أسير الزمان والمكان؛ يدور ويدور حولهما، طلباً للحريّة منهما، ليعود ويجد نفسه تحت سلطتهما.
عبثاً نودّع ونستقبل الزمن باللهو والمسرّات الدنيويّة. ما لم نذق طعم الحياة الأبديّة، الذي أنت وحدك معطيه، لن نعرف الانعتاق الحقّ، وستبقى كلماتك "ألف سنة في عيني الربّ، كيوم أمس الذي عبر"، غير مفهومة. 
لكن، يا ربّي، كيف لي أن أعيش الأبديّة، وأنا موزّع بين هموم شتّى، تحصرني في حياة أرضيّة، لسنوات، مهما طالت، لن تتجاوز السبعين ومع القوّة الثمانين، كما يقول المزمور؟
في صخب ليل استقبال هذه السنة، أسجد بصمت لأراجع نفسي، وأفحصها. فأجد أنّني ما زلت أسعى إليك، وأنا أعرج على الجنبين. تارة أريدك بكلّيتي، وبكلّ صدق، وتارة يأخذني هذا العالم، فأنساك وأهمل حياتي الحقّة. يبدو أنّني لم أتحرّر من رباطات الدنيا بعد. فخطاياي الماثلة أمامي، تقول لي، مع قدّيسك اسحق، إنّني ما زلت أحبّها، بدليل عودتي إليها من حين إلى آخر.
لم يعد هذا العالم يغريني بشيء. وقلبي يطلب الملء منك، ومنك وحدك. كلّ ما في هذا العالم، من مباهج ومسرات، "يذوي سريعاً كعشب الحقل"، ولا يبقى سوى حضورك الحيّ والمُحيي. 
ليس عبثاً وضع قدّيسك السلّمي فضيلة الزهد في الدرجة الأولى، من سلّمه إلى السماء! فكيف لمن يبغي الذرى أن يبقى أسير الدنى؟
وكيف لي أن أطلب الأبديّات، وأنا غارق، حتّى الثمالة، في الدنيويّات؟
كيف أعيش الجدّة، وأنا لا أتخلّى عن العتاقة، التي شببت عليها واعتدتها؟
****
عالمنا مليء بالثرثرة والتذمّر وانتقاد الآخرين وتمجيد الذات. كيف له أن يفهم أنّ السلام، الذي يصبو إليه، لا يتحقّق بما يسعى إليه ويغرق فيه.
وجهك، المطلّ عبر المؤسسات، يبقى مشوّهاً بنقائصنا، نحن القائمين عليها، وكثيراً ما نلطّخه بأهوائنا، بمعرفة وبغير معرفة.
وكم تظهر فينا، نحن الذين نحمل اسمك، غير ما أنت عليه في الحقيقة. نحصرك في أطرنا الضيّقة، ونحجب حبّك، إلا عمّن ننسبهم إلينا، ونختارهم بحسب أهوائنا.
لا نزال، يا يسوعي، ننشغل عنك بجمالات منك. يستغرقنا الجمال، فنؤخذ به، متوهّمينه إيّاك، وننسى أنّ جمالك الحقيقي لا يظهر إلا في النفس التي تتجمّل بك أنت، بعد أن ترمي بسيّئاتها بعيداً، لتستبدلها بكلّ ما يأتي منك، ومنك وحدك.
شعبك متعب يا ربّ. أثقلته الخطايا والمفاسد والحروب. بات، لشدّة تعبه، يطلب الفرح في أيّ شيء يعرض عليه. يقوده القلق، الذي يحياه، إلى استسهال المباهج، واستصعاب الفرح الحقيقيّ.
**** 
ألا قدْتنا ربّي، في هذا الزمن المقبل، إلى سبل الخلاص، ورويتنا من نبعك الدائم الحياة.
ألا فتحت قلوبنا، لتشمئّز من مفاسدها، فتطرحها، وتستبدلها بعبير زهورك.
ألا منحتنا شجاعة تحرّرنا ممّا يشدّنا إلى الموات، وتشحننا فنجدّ في إثر المحييات.
ألا أعطيتنا عيوناً ترى مشيئتك، في ما يحدث لنا ومعنا، فنعي أن تأديبك محبة خالصة، وطريقاً جديدة تفتحها أمامنا لنغذّ الخطى إليك، ولا نتلهّى بأباطيل لا تفيدنا.
ألا وهبتنا جرأة لا تخجل بك، بل تشهد لك بثبات ورقّة، فيعرف العالم أنّك تحبّه.
ألا حفظتنا في سلامك، فننسى أشباهه، ونحمله إلى من هم حولنا.
ألا أدفئتنا بحبّك، ربّي، في هذه السنة المقبلة، فنفضله على محبّة ما هو ضدّك.
حبّبنا بالصمت يا ربّ، لكي نصغي إليك. واجعلنا جدداً، بك، من الداخل، يا مسيحي، لتصير السنة جديدة.