كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

يذهلني الصمت، الذي دخلت فيه إلى عالمنا الشقيّ، يا يسوعي الحلو. 
أتيتنا، يا سيّدي، بخفرٍ مهيب. لم تظهر بمجدٍ وعظمة. انعطفت علينا بجلالٍ خَفِرٍ وسكون. وُلدتَ، بالجسد، في ليلة هادئة، وفي مكان مقفر، لا يقيم البشر فيه. وما حضر ولادتك رهط كبير من البشر.
شئتَ أن تخبر بضعة رعاة كانوا، في هدأة الليل، قد بدأوا يستريحون من عناء النهار. أرسلت ملائكتك لتبشّرهم " بفرح عظيم: وُلد لكم مخلِّص هو المسيح الربّ". وشجّعتهم بجمعِ ملائكةٍ يسبّحون قائلين: "المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرّة".
هل اخترتهم وحدهم، دون غيرهم، لأنّك تعرف أنّ بساطة حياتهم، تمنحهم القدرة على تمييز ألوهيّتك، وتالياً قبول رسالتك الخلاصيّة؟
قلتَ بصمتك، يا مسيحي، إنّ الصخب لا يُنتج حياةً، وإنّ الاكتفاء بالمظاهر، يزيد من المشاكل، ولا يحلّها.
+++
ما رافق الصمت ولادتك فقط، بل أردته ملازماً لك، طوال السنوات التي قضيتها بيننا. أَمَا أخفيت سرّك الماسيانيّ، ولم تشأ أن تكشفه إلا على الصليب؟! 
وفي اجتراحك العجائب، أَمَا اعتدت أن تطلب، ممّن تشفيهم، عدم إذاعة خبر الشفاء، والاكتفاء بشكر الله؟!
ما طلبت شكراً من أحد. ولا سعيت إلى مديح أو تمجيد. 
حتّى قيامتك العظيمة، يا ربّ، تمّت بصمت. ولم تترافق بالضجّة والضوضاء. حدثت زلزلةٌ ولم يشعر بها أحد. عرفنا بها من حاملات الطيب، اللواتي وجدن الحجر مدحرجاً عن باب القبر.
ولم تعرفك المجدليّة، إلا عندما ناديتها باسمها، لأنها ظنّتك البستانيّ!
الصمت، يا سيدي، لغةٌ لا يعرفها إلّا المتحرّرون من ضجيج أهوائهم. إنّها لغة الدهر الآتي، بحسب قول قدّيسك اسحق السوري.
+++
تتنازل، وأنت الربّ العليّ. تتّضع، وأنت الإله القدير. تتوارى في لحم ودم، وأنت قدّوس القدّيسين!!
تفتقر لتغنينا. تُخلي ذاتك لتملأنا. تموت لتحيينا. توزّع ذاتك علينا لتغذّينا. 
ولأنّك وحدك الحنّان، خلّصتنا دونما جَلَبَة. نعم، يا مسيحي، فالحنان وليد القلب الممتلئ؛ والمليء لا يحتاج إلى الأضواء. 
لو فُتنّا بك كفاية، لما عدنا نطلب الحياة من عند غيرك، ولكانت ذواتنا امتلأت من حضرتك، وما شربنا بعد ماء لا يروي.
لو أنّنا نرتمي عند قدميك، في هذا العيد، لنرى إلى جمالك الفريد، لصار "النصيب الصالح" حصّتنا.
+++
رأيتنا نرتع في الألم والشقاء، فنصبت خيمتك في حيّنا، ولا تزال، لتفتح لنا باب الحياة الحقّة.
أتيتنا بالبساطة المطلقة، لتقول لنا، فعلاً لا قولاً فقط، إنّك أنت من وما نحتاجه.
فعلّمتنا، بمذودك الوضيع، أنّنا لا نجدك، إلا إذا أقفرت نفوسنا من كلّ مجد دنيويّ. كيف نعرف قيمتك، ما لم نختبر أنّ "المال يخجل قرب فقرك أن يُلَمّ"؟!
شدّدنا لكي لا نهرب من مواجهة أنفسنا، ولكي نقدّمها لك، بما هي عليه، فيطهّرها صمتك، وتشارك ملائكتك التسبيح.
قوّنا، لكي لا نهرب إلى ما ينسينا واقعنا، بل لنواجهه متسلّحين بقوتك الناعمة، فنجد الأمان الذي نفتقده، ونتوق إليه في الوقت ذاته.
كن معنا، يا يسوعي القدير والرقيق، لكي لا نلقي بأنفسنا في ضجيج الجسد، أو المال أو التعظّم، أو أيّ شيء من ضوضاء الدنيا الخدّاعة
+++
ما جادلتَ ولا خاصمتَ ولا دخلتَ في مساجلات، لتثبت أنّك الحقّ. قلت فقط: "أنا الحقّ، أنا الطريق، أنا الحياة...". ومن صدّقك اكتشف صدق ما قلته. أمّا نحن، أتباعك، فلنا أن نتوارى في ظلّ تواضعك، واثقين من قدرتك الفاعلة فينا!!
+++
علّمنا، ربّي، في ميلادك هذا، أن نجثو ونصمت، لكي نمتلئ منك. 
علّمنا، ربّي، أن نحدّق في فقرك الظاهر، فنخلع عنّا شهواتنا القاتلة، ونذوق فرح التحرّر من استعبادها لنا.
ربّي، امنح قلوبنا هدوءاً يغنيها عن بهرجات الدنيا، لتنعم بالأمان الحقيقي.
نفتقد في هذا العيد السلام. ألا سدّدت خطانا، ربّي، إلى طريقك الحقّ، حتى إذا اختبرنا سلامك، نستطيع، بنعمتك، أن ننقله فعلاً لا كلاماً.
سجد الرعاة لك، وما بيدهم شيء، إلا فقرهم إليك. ألا ساعدتنا، ربّي، على أن نرمي ما تتمسّك أيدينا به، حينما نأتي إليك.
امنحنا الشجاعة، يا يسوعي، لنقتنع بأنّنا لا نقدر أن نفتح قلوبنا لك حقّاً، ما لم نأتِ إليك بيدين فارغتين.
+ميلاد مجيد.