كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين

سألني أحد الكهنة: كيف أتصرّف مع بعضٍ من أبناء رعيّتي، الذين يتردّدون على بعض الفرق البروتستانتيّة، بغية الحصول على شيء من المعونة. أخشى، إن قسوت عليهم، أن لا يعودوا إلى كنيستهم الأم، وقد أبدو، إن تساهلت، وكأنّني أشجّعهم على ما يفعلونه، فينتقدني آخرون؟ 
ليس الجواب سهلاً. ففي الواقع، يُعتبر الاقتناص الجديد، الذي توسّع كثيراً، بعد سنوات المحنة السوريّة، من أشدّ التحدّيات، التي تواجهها الكنيسة الشرقيّة عموماً، والأرثوذكسيّة بالأخصّ، حاليّاً. كنّا قد ظننا أنّ شراء الضمائر، بحفنة من الطحين أو بمبلغ زهيد، قد ولّى إلى غير رجعة. غير أنّ الواقع يثبت العكس.
تشهد بلادنا، في السنوات الأخيرة، موجات عديدة من فرق بروتستانتيّة عديدة، ممّن يرفضون الحوار بين الكنائس، ولا يقبلون الذين يلتحقون بهم من المسيحيّين إلا بإعادة معموديّتهم. لا تكمن خطورة هذه الفرق في تعليمها فقط، بل تتجاوزه إلى خطر ترغيب الناس وجذبهم، عبر تأمين مساعدات مشروطة لهم. 
يشترطون على الشخص المداومة على اجتماع العبادة خاصّتهم أسبوعيّاً، ليأخذ مبلغاً شهريّاً زهيداً. أو يوزّعون المساعدات الغذائيّة بعد اجتماع الصلاة خاصّتهم، ليجبروا المستفيدين على المشاركة فيها!
لا قدرة للكنائس المحليّة على مجاراتهم في التمويل. فمن الواضح أنّ مصادر تمويلهم الخارجيّة لا تنضب. وتشجّعهم الأوضاع الاقتصاديّة المتردّية على استغلال بؤس الناس وفاقتهم. ليست هذه هي الطريقة الإنجيليّة في نشر بشرى الخلاص بالمسيح. لا، ولم تكن هكذا عند الرسل، ولم تعرفها الكنائس المسيحيّة إلا بعد القرن السابع عشر، حين بدأ الغزو اللاتيني والبروتستانتي للشرق.
اعتاد بولس الرسول أن يجمع الإعانات من مؤمني الكنائس، لصالح كنيسة أورشليم، التي كانت تمرّ في ضيق، ويوصلها بيده. والإنجيل المقدّس يعلّمنا بأن نطعم الجائع ونكسو العريان دون مقابل، بل لوجه الله الكريم، "من سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد باسمي فالحقّ أقول لكم: إنّ أجره لن يضيع". 
أين هم من سلوك البطريرك غريغوريوس الرابع إبّان الحرب العالميّة الأولى وانتشار المجاعة. سمع، مرّةً، شجاراً بين أخته، وكان فرن البطريركية بعهدتها، وعدد من الناس. فأطلّ عليهم مستفسراً عن سبب الصخب. وعندما علم بأنّ أخته ترفض أن تعطي خبزاً للمحتاجين، من بعض المسلمين، بحجّة نفاذ الدقيق من مخزن البطريركيّة، ورغبتها بإبقاء الأرغفة القليلة المتبقيّة لأبناء البطريركيّة، أخذ رغيفاً وسألها: ما المكتوب عليه؟ فأجابته : إنّه رغيف خبز، فماذا سيُكتب عليه؟ فأجابها: طالما أنّه بلا اسم فهو من حقّ كلّ إنسان. وهكذا تمّ، وعادت فوزّعت الخبز على الجميع. 
نعود إلى سؤال الكاهن الفاضل. ثمّة العديد من الأمور التي علينا، رعاةً، أن نأخذها بعين الاعتبار، ونثمّنها، خاصّة في هذه الأيام.
فالناس متعبون من المحنة التي طالت وأفرزت تغيّرات كثيرة على صعيد حياتهم بجملتها. ثمّة قلق وتوتّر وانتفاء للسلام الداخلي بادٍ بوضوح على الكثرة منهم.
كما إنّ تزايد ضغط الحالة المعيشيّة وارتفاع تكاليفها بشكل كبير، بسبب تراجع قيمة العملة الوطنيّة، انعكس على أوضاع الناس، العصبيّة بالأخصّ، ما جعلهم مستعدّين لاستقبال أيّ معونةٍ، من أيّ جهة كانت.
ومع أنّ موارد كنيستنا محدودة، إلا أنّ"فلس الأرملة"، وإن يكن لا يكفي، إلا أنه يترك أثر المحبّة والتضامن مطبوعاً هنا وهناك. نرى العديد من الشهادات المفرحة على هذا الصعيد، في ما تقوم به الكنائس أو اللجان الكنسيّة المتعدّدة، وأخويّات السيّدات منها بالأخصّ. تستدعي هذه المزيد من التنسيق والتنظيم، ومع المغتربين بشكل خاصّ، على نطاق الأبرشيّة والرعيّة المحليّة.
بالتأكيد، الحاجات كثيرة وكبيرة ومتنوّعة، ومن المستحيل تأمينها كافّة. لكن المساهمة، بما هو متوفر وممكن، أمر أكثر من ضروري وملحّ. علينا أن نطالب أنفسنا ، باعتبارنا مؤمنين، ببذل كلّ الجهود الممكنة في هذا السبيل. نؤمّن ما تيسّر، ونضعه أمام الله ليباركه، مهما كان متواضعاً.
كما أنّ ثمّة حاجة أساسيّة، لا ينتبه إليها الكثيرون، لأنّ الحاجة المادّية تغطي عليها؛ إنها الحاجة الروحيّة. فإن كنّا غير قادرين على تأمين جميع المتطلّبات المعيشيّة، إلا أنّنا قادرون على مشاركة المحتاجين في معاناتهم، وبثّهم روح الإيمان والمشاركة، وتعزيتهم روحيّاً، بشكل كبير. 
إنّه الوقت الأنسب لاحتضان الناس، وتوفير الرعاية الروحيّة لهم. إنّه وقت توجيه الجهود الرعائيّة نحو كلّ ما من شأنه أن يزيدهم شعوراً بأنّهم عائلة المسيح، المتضامنة المتكاتفة المتعاونة، التي تحمل أثقال بعضها بعضاً. هذا لا يتمّ إلا بسياسة رعائيّة مدروسة يتعاون فيها الجميع. هذا وقت إظهار المحبّة وتفعيلها.
حاجة الناس تستدعي الراعي لأن يتعاطى معهم برحمة، لا بتوبيخ أو عقاب. يحتاج الناس، مهما كانوا فظّين، إلى محبّة حانية واحتضان، على مثال الربّ يسوع. إنّهم يفتقدون إلى الأمان الداخلي. وعلى الكنيسة أن تكون الواحة التي يستريحون فيها. يرميهم غياب التعامل الحاني معهم، في أحضان من يريد الراعي حمايتهم منهم. فليتنبّه الرعاة، وكذلك جميع العاملين في حقل الخدمة، إلى انفعالهم وردود أفعالهم.
القلق المستحكم بالناس نتيجة معاناة المحنة وما فيها، يتطلّب، من الرعاة، اهتماماً استثنائيّاً بسلامهم الداخلي الشخصي، لكي ينعكس احتكاكهم بالمؤمنين سلاماً ينتقل إلى النفوس المتألّمة، فيعزّيها، ويرفع معنوياتها، ويبثّ الرجاء فيها. 
ثمّة خوف داخليّ في نفوس الكثيرين. ينعكس هذا الخوف جشعاً وطمعاً عند بعضهم أحياناً، ورغبة في التخزين، ناجمة عن جزع مستحكم في اللاوعي من أيام أقسى. هؤلاء علينا استيعابهم. من كان جشعاً نتعامل معه بالنصح والصبر، فإن لم يتجاوب معنا، نلجأ إلى الحزم، الذي لا بدّ منه أحياناً. فالمساعدة يجب أن توجّه إلى من منهم أكثر فاقة وعوزاً. 
بمقدار ما يفتقد الراعي رعيّته، ويهتمّ بها، ويسأل عنها، يحفظها من الذين يتربّصون بها، لاقتناصها إليهم. ثمّة طرق كثيرة لافتقاد الناس. زمننا هذا هو الأمثل لتفعيلها، ابتغاءً للشهادة لمحبّة الربّ لشعبه، وتفعيلاً لدور الكنيسة، جسده، في استمراريّة مدّه في العالم، وفعله فيه.
الخلوات الروحيّة الخفيفة، موائد المحبّة البسيطة، الأنشطة الترفيهيّة غير المكلفة، الصلوات الهادئة، الرحلات القصيرة، وخاصّة إلى الأماكن الروحيّة والطبيعة، عرض الأفلام الهادفة، وغيرها من الأنشطة الكثيرة، التي تساهم في رفع مستوى حياتهم الروحية، وتخفيف قلقهم وعصبيّتهم، صارت حاجة ماسّة اليوم، ومن غير المسموح أن نبقى مقصّرين في هذا الحقل.
قد يتعب الراعي من كثرة تذمّر الناس، وإلحاحهم، وعدم شكرهم. لا بأس فهو إنسان. ليبتعد آنذاك جغرافياً لبعض الوقت، في خلوة روحيّة، يستعيد فيها قوته وزخمه. 
ولا ننسى دور المؤمنين في تفعيل الرعاية. آن لنا جميعاً أن نعي دورنا ومسؤوليتنا. لنتكاتف جميعاً، كلٌ بحسب موهبته وطاقته، لنشهد لعمل الروح القدس فينا، وفي العالم.