كلمة الأسقف
كلمة اسبوعية كل يوم اثنين
+رأى الأدب المسيحيّ فيه "الإنجيليّ الخامس"، لكثرة النبوءات المسيانيّة الواردة عنده. بدءاً بولادة المسيح الموعود من عذراء، إلى تجسيد آلامه في شخص من يدعوه الأدب (الكتابي) البيبلي 1"عبد يهوه المتألّم"، الذي يصفه إشعياء في خمس قصائد، رأت الكنيسة فيها صورةَ المسيح المتألّم فداء للبشريّة. 
عَرَّفه أحد علماء الكتاب المقدَّس هكذا: هو "نبيّ أرستقراطيّ نشره الملك مَنَسّى، بحسب التقليد، إلى اثنين، وقسمه علماء الكتاب المقدَّس إلى ثلاثة 2". عاش النبيّ إشعياء في القرن الثامن قبل الميلاد. وُلد حوالى السنة 765، وبدأ رسالته التي دامت أربعين عاماً، في السنة 740 ق.م. مارس نبوّته في ظروف سياسيّة صعبة وشائكة. 
يعني اسمه بالعبريّة "يشوع يهوه": الربّ خلاصٌ. ينتسب إلى أشراف أورشليم، ولذلك عَرف، عن قُرب، ترفَ الأغنياء وبَطَرهم. وتكلّم التقليد المسيحيّ على اضطهاد الملك مَنَسّى له، فقضى شهيدَ كلمة الله بأمرٍ من الملك الشرّير. يبدو أنّ إشعياء لم يخرج من أورشليم وجوارها، ولكن كلمة الله التي حملها وصلت إلى أصقاع الدنيا. ما زلنا نقرؤها إلى اليوم على ضوء العهد الجديد، ونرى شخصَ المسيح فيها، كما فعل السيّد عندما قرأ منها في مجمع الناصرة. يقول إنجيل لوقا إنّه أغلق السِفر، وبدأ تفسيره هكذا: "اليوم تمّت هذه الكلمات التي تلوتها على مسامعكم" (لو4/21). تمّت رسالة إشعياء النبويّة بالمسيح.

(( 1درج في الآونة الأخيرة استعمال كلمة بيبليا للدلالة على الكتاب المقدس المدعو باليونانية "بيبلوس" ومعنى الكلمة الحرفي "كتاب". والصفة "بيبلي" تعني "كتابي" ولكنها تدل على الكتاب المقدس عند المسيحيين حصراً. يدعى الكتاب المقدس باللغات الأوربية المشتقة من اللاتينية "بيبل" أو "بايبل". 
يعتبر كثير من علماء الكتاب المقدس اليوم أن كتاب النبي إشعياء يضم ثلاثة كتب تغطي حوالي 180 سنة، ويعود كل منها إلى نبي مختلف من تلاميذ النبي إشعياء. لذلك يطلقون عليها أسماء النبي إشعياء الأول والثاني والثالث. في عرضنا هذا سوف نتبع التقسيم التالي: القسم الأول والثاني والثالث.))
((2 يعتبر كثير من علماء الكتاب المقدس اليوم أن كتاب النبي إشعياء يضم ثلاثة كتب تغطي حوالي 180 سنة، ويعود كل منها إلى نبي مختلف من تلاميذ النبي إشعياء. لذلك يطلقون عليها أسماء النبي إشعياء الأول والثاني والثالث. في عرضنا هذا سوف نتبع التقسيم التالي: القسم الأول والثاني والثالث.))

+خلفيّة القسم الأول التاريخيّة

انقسمت المملكة إلى اثنتين بعد سليمان: المملكة الشماليّة ودُعيت إسرائيل وعاصمتها السامرة، والمملكة الجنوبيّة ودُعيت يهوذا وعاصمتها أورشليم. فيما كانت مملكة يهوذا صغيرة وذات طبيعة جبليّة فقيرة ماديّاً، كانت مملكة إسرائيل قويّة وغنيّة وذات موقع استراتيجيّ، يخترقها ممرّ استراتيجيّ تجاريّ يصل ما بين مصر وبلاد الرافدين. 
عرفت المملكة الشماليّة سلسلة من الأنبياء كإيليا وعاموس وهوشع. فيما بقيت يهوذا المركز الدينيّ لأنّ الهيكل في وسطها. عرفت إسرائيل تقلّباً سياسيّاً، بينما احتفظت يهوذا باستقرار سياسيّ. فسلالة داود بقيت على رأس المملكة التي عرفت درجة عالية من الاستقرار السياسيّ والاقتصاديّ. في حين عرّض موقع إسرائيل المملكة الشماليّة إلى تقلّبات عديدة، فقد ساعد الاستقرار يهوذا على الانتقال بهدوء من الوضعيّة القبليّة إلى وضعيّة بلدة تتمدّن وتتحضّر اقتصادياً. بالرغم من أنّها عرفت اتزاناً اجتماعيّاً على نحوٍ ما، إلا إنّها عرفت ظلم الأسياد للوضعاء والأغنياء للفقراء. 
عزا الكثيرون من أهلها الاستقرار إلى وجود هيكل الربّ والسلالة الداوديّة فيها 3. واعتقدوا أنّ الرّب أقام عهداً خاصاً مع داود يَعدُه فيه باستمرار عرشه من بعده، وهذا ما عُرف باللاهوت الداوديّ4 أو المَلَكيّ.
عرفت يهوذا قمّة ازدهارها الاقتصاديّ والعسكريّ في أيام الملك عُزيّا. ولم تبدُ سوى غيمة واحدة تهدّدها ألا وهي الإمبراطوريّة الآشوريّة المتعاظمة.
أتت دعوة إشعياء في زمن مأساويّ بسبب اقتراب الخطر الآشوريّ. فقد أتته الدعوة في العام 742 سنة موت الملك عُزيّا، وخلال أربعين سنة قادمة ستتغيّر خارطة المنطقة السياسيّة، والأزمة ستتلو الأزمة. وأمام تهديد آشور للمملكة الشماليّة قام حلف بينها وبين مملكة دمشق وحاول الملكان الضغط على يهوذا للدخول معهما في هذا الحلف ضد آشور، فغزا جيشهما المملكة الجنوبيّة. لكن تجلات فلّصّر الآشوريّ هزم سوريا ومسح جلعاد والجليل وسهل شارون في الأعوام 733-732. هذا كان الحدث الأول. 
أمّا الحدث الثاني فهو حصار السامرة. فقد ضرب شلمنصّر خليفة تجلات فلّصّر حصاراً حول السامرة (722-721)، ثمّ أتى سرجون الثاني بالجيش الآشوريّ لقمع ثورة محليّة في أشدود عبر الطريق الساحليّ الفلسطينيّ في العام 712. وعاين إشعياء محاولة جنونيّة من يهوذا للتآمر على آشور، وعاش أياماً عصيبة خلال غزو سنحاريب في العام 701. 
طوال هذه الأزمات عارض إشعياء التآمر على آشور، واعتبر المعاهدات ضدّها "عهد مع الموت"، وهذا ما اختبرته المملكة الشماليّة ودفعت ثمنه

((3بقي الملوك الذين تناوبوا على حكم "يهوذا" من سلالة الملك داود))

4((نادى إشعيا بالمخلّص الذي سيأتي من نسل داود، وكان من أتباع هذا اللاهوت))

يتبع ...