عن الأبرشية
أبرشية بصرى حوران و جبل العرب و الجولان للروم الأرثوذكس

منذ إعلان القديس قسطنطين الكبير الديانة المسيحية الديانة الرسمية في الإمبراطورية الرومانية انتشرت المسيحية وتعززت ، وقد ساعدت الظروف السياسية والاجتماعية في تكثيف النشاط الحضاري ذي الطابع الروحي ، وبشكل خاص في الإنشاءات المعمارية ، الأمر الذي أسهم في إبراز الحضارة الوطنية . وبإعلان ثيوذوسيوس الكبير الديانة المسيحية دين الدولة الرسمي وذلك عام 380 ، وبحصوله من مجلس الشيوخ على مرسوم يقضي بإلغاء الوثنية من الإمبراطورية برمتها ، وبتقسيم مملكته بين ابنيه : أركاديوس للشرق ، وأنوريوس للغرب ، دخلت النصرانية طوراً جديداً ، نوعاً وكماً .

ومع بداية القرن الرابع وما بعده ، أخذ عدد المؤمنين المسيحيين بالتزايد بشكل غريب ، وانتشرت المسيحية وتقدمت واتسعت رقعتها ، الأمر الذي استوجب تأمين دور عبادة للمؤمنين وأديرة للرهبان ، وهذا التقدم العمراني أدى إلى تقدم اقتصادي ، كما بصرى ، حاضرة المنطقة ،وعاصمة ولاية العربية ، احتلت مركزاً تجارياً ومكانة سياسية عظيمة من بعد انهيار مملكة تدمر عام 273 م ، فانتقلت قوافل التجار إليها كمحطة رئيسية بين البادية والبحر ، وبين مقاطعات الشمال والجنوب . فهذه العوامل وغيرها جعلتها تتبوأ مركز الصدارة دينياً ، بالإضافة إلى موقعها المتاخم لفلسطين وكثافة شبكة المواصلات التي تمر بها فتسهل الاتصالات السريعة .

وفي ظل هذا الأمن والاستقرار والازدهار بذلت الدولة البيزنطية ، وخاصة الملوك العظماء ، المال الوفير لرفع المباني المدنية والدينية ، وأولت الكنائس والأديار أهمية قصوى تعبيراً عن إيمان أبنائها ، وكسباً للجماعات الرهبانية والشعب . وعلى إثر ذلك شيدت الكنائس العديدة والأديار لسد حاجة ملحة في المدن والقرى ، فشيدت الكنائس بكثرة في المدن والقرى ، بل حتى في القرية الواحدة فعلى سبيل المثال وصل عدد الكنائس في قرية أم الجمال إلى خمس عشرة كنيسة ، فاكتظت ولاية العربية بالكنائس بمساحتها وضخامتها وأنماطها ومتانتها ، وقد بلغ عددها في المنطقة ما لا يقل عن 700 كنيسة وبازلكية أو ذات سوق واحدة أو مثمنة الشكل ، كما انتشرت الأديرة والتي قد يصل عددها إلى المئتي دير ما عدا المطرانيات وبيوت الكهنة وأبراج النساك وأعمدة العموديين والمسلات المسيحية التي كانت تزين البيوت ، والكتابات اليونانية التي تعلو عتبات الأبواب .

وهكذا فقد دبت حمة الإنشاء منذ بدأت الكنيسة عهد سلامها ، في مطلع القرن الرابع ، حيث بدأت منذ مجمع خلقيدونية المنعقد عام 451 حقبة المباني الضخمة والطويلة ،وأخذت بالانتشار والزيادة خلال القرنين الرابع والخامس ، وتعددت ورشات الإعمار وفرق التزيين الفسيفسائي والنحتي والتصويري ، هذا ولم يكتف المسيحيون بإشادة الكنائس بل استهدفوا أيضاً دور العبادة الوثنية لتعميدها وتحويلها إلأى كنائس رائعة كما في بصرى وإزرع وجرين والسويداء وقنوات .... إلأخ .

أما بالنسبة للبادية فإن الآثار المسيحية تندر لأن العرب الرحل بسبب تنقلهم لم يهتموا بناء كنائس ، فكانوا ينتقلون من مكان إلأى آخر برفقة أساقفتهم وكهنتهم وشمامستهم حاملين الأدوات الكنسية .

كان للطاعون الذي ضرب المنطقة حوالي عام 543 الأثر السلبي على الحركة العمرانية للكنائس ، إلا أن عودة ازدهار الكنائس وانتشارها وضخامة حجمها في الفترة اللاحقة بالمقارنة مع حجم الكنائس في الفترات السابقة ، يدل على تقوى وسخاء الشعب الحوراني المؤمن ، من فلاحين وحرفيين وتجار .

 

خصائص العمارة المسيحية في سورية الجنوبية :

إن الهندسة المسيحية في سوريا الجنوبية تختلف تماماً عنها في سوريا الشمالية وحتى قد تختلف عن العالم المسيحي أيضاً في نمط البناء الذي أوحت به طبيعة مادة البناء التي هي الحج الأسود البازلتي الصلب الذي يدخل في تكوينه الكثير من المعادن كونه من صخر بركاني أصم ، الذي تصعب معالجته وتكييفه ، إلا على النحاتين السوريين البارعين الذين تمكنوا من السيطرة عليه ونحته وصقله وتحويله إلأى آيات زخرفية ومعمارية ، حتى استعمل هذا الحجر في بناء كنائس بعض القرى والمدن في سوريا الشمالية على غرار زبد ، فعلول ، قصر ابن وردان ...إلخ .

 

قد لا نبالغ في قولنا أن أغلب البيوت والمساكن في حوران والعربية بشكل عام مبنية على آثار مباني قديمة ، فإن هذه المنطقة غنية بآثارها ولكن للأسف أغلبها مردوم تحت الأبنية أو حتى الشوارع بسبب الإهمال الذي طالها قديماً وظروف الزمان القاسية التي توالت على سكان هذه المنطقة ومنهم المسيحيين الذين تشهد الأبنية الباقية والدراسات التاريخية للأبينة والكنائس القديمة والمهدومة وخاصة الأديرة ، على حيوية هذه المنطقة قديماً ومن جميع النواحي الاقتصادية منها والاجتماعية وخاصة الروحية ، فضخامة هذه الكنائس وكثرة الأديرة يشيد بالعمران الروحي الذي كانت تتمتع به ولاية العربية ، وينادي من يسمع من أبناء هذه المنطقة ألا ينسى إن عرف ، وأن يعرف إن جهل كيف كانت بلاد العربية وحوران وكيف يريدها أن تكون الآن وهي خالية من الأديرة ، وكنائسها تفتقر إلأى الضروريات من أثاثها الكنسي ، منادية أبناءها إلى الصلاة ، قارعة الأجراس للشهادة على أن كلمة الرب وحضوره لن يخليا منها ، لكنهما يتمان باجتماع أبنائها فيها قلباً وقالباً ، كل  بحسب قدرته لعودة الازدهار الروحي والعمراني فيها .